الثلاثاء، مارس 06، 2012



تـــفـــســـيـــر ســـورة الـــعـــصـــر

بسم الله الرحمن الرحيم
و العصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنو و عملو الصالحات
فتواصو بالحق و تواصوا بالصبر(3).

قال الإمام الشوكاني-رحمه الله- في فتح القدير:
أقسم سبحانه بالعصر ، وهو الدهر ، لما فيه من العبر من جهة مرور الليل والنهار على تقدير الأدوار ، وتعاقب الظلام والضياء ، فإن في ذلك دلالة بينة على الصانع عز وجل ، وعلى توحيده ، ويقال لليل عصر ، وللنهار عصر ، ومنه قول حميد بن ثور :
ولم ينته العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تمنيا
ويقال للغداة والعشي : عصران ، ومنه قول الشاعر :
وأمطله العصرين حتى يملني ... ويرضى بنصف الدين والأنف راغم
وقال قتادة والحسن : المراد به في الآية العشي ، وهو ما بين زوال الشمس وغروبها  ، ومنه قول الشاعر :

يروح بنا عمرو وقد قصر العصر ... وفي الروحة الأولى الغنيمة والأجر
وروي عن قتادة أيضا : أنه آخر ساعة من ساعات النهار . وقال مقاتل : إن المراد به صلاة العصر ، وهي الصلاة الوسطى التي أمر الله سبحانه بالمحافظة عليها . وقيل : هو قسما بعصر النبي صلى الله عليه وسلم . قال الزجاج : قال بعضهم : معناه ، ورب العصر . والأول أولى . { إن الإنسان لفى خسر } هذا جواب القسم . الخسر ، والخسران : النقصان ، وذهاب رأس المال ، والمعنى : أن كل إنسان في المتاجر والمساعي وصرف الأعمار في أعمال الدنيا لفي نقص ، وضلال عن الحق حتى يموت . وقيل : المراد بالإنسان الكافر . وقيل : جماعة من الكفار : وهم : الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود بن عبد المطلب بن أسد ، والأول أولى لما في لفظ الإنسان من العموم ، ولدلالة الاستثناء عليه . قال الأخفش : { فى خسر } في هلكة . وقال الفراء : عقوبة . وقال ابن زيد : لفي شر . قرأ الجمهور : { والعصر } بسكون الصاد . وقرءوا أيضا : { خسر } بضم الخاء ، وسكون السين . وقرأ يحيى بن سلام : ( والعصر ) بكسر الصاد . وقرأ الأعرج ، وطلحة ، وعيسى : ( خسر ) بضم الخاء والسين ، ورويت هذه القراءة عن عاصم .
{ إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } أي : جمعوا بين الإيمان بالله والعمل الصالح ، فإنهم في ربح لا في خسر؛ لأنهم عملوا للآخرة ، ولم تشغلهم أعمال الدنيا عنها ، والاستثناء متصل ، ومن قال : إن المراد بالإنسان الكافر فقط ، فيكون منقطعا ، ويدخل تحت هذا الاستثناء كل مؤمن ومؤمنة ، ولا وجه لما قيل : من أن المراد الصحابة أو بعضهم ، فإن اللفظ عام لا يخرج عنه أحد ممن يتصف بالإيمان ، والعمل الصالح { وتواصوا بالحق } أي : وصى بعضهم بعضا بالحق الذي يحق القيام به ، وهو الإيمان بالله ، والتوحيد ، والقيام بما شرعه الله ، واجتناب ما نهى عنه . قال قتادة : { بالحق } ، أي : بالقرآن ، وقيل : بالتوحيد ، والحمل على العموم أولى . { وتواصوا بالصبر } أي : بالصبر عن معاصي الله سبحانه ، والصبر على فرائضه . وفي جعل التواصي بالصبر قرينا للتواصي بالحق دليل على عظيم قدره ، وفخامة شرفه ، ومزيد ثواب الصابرين على ما يحق الصبر عليه :
{ إن الله مع الصابرين } [ الأنفال : 46 ] وأيضا التواصي بالصبر مما يندرج تحت التواصي بالحق ، فإفراده بالذكر ، وتخصيصه بالنص عليه من أعظم الأدلة الدالة على إنافته على خصال الحق ، ومزيد شرفه عليها ، وارتفاع طبقته عنها .
وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { والعصر } قال : الدهر . وأخرج ابن جرير عنه قال : هو ساعة من ساعات النهار . وأخرج ابن المنذر عنه أيضا قال : هو ما قبل مغيب الشمس من العشي . وأخرج الفريابي ، وأبو عبيد في فضائله ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن الأنباري في المصاحف عن علي بن أبي طالب أنه كان يقرأ : ( والعصر ونوائب الدهر ، إن الإنسان لفي خسر ، وإنه فيه إلى آخر الدهر ) . وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه كان يقرأ : ( والعصر إن الإنسان لفي خسر ، وإنه لفيه إلى آخر الدهر ) .

ليست هناك تعليقات: