بسم الله الرحمن الرحيم
ملف
منتقى: حزب البعث العربي الاشتراكي السوري
مصادر
فكر "حزب البعث" محدودة جداً، ولذلك فإن البعثي الذي يريد أن يحمل صفة
"مثقف" لابد له من تجاوز ثقافة الحزب ومصادرها والبحث عن الزاد الفكري
والثقافي في مجالات أخرى خارج مصادر فكر الحزب وثقافته؛ إذ أن مصادر فكر
الحزب وثقافته الرسمية لا تتجاوز:
كتلة حوت: كفر الإسماعيلية
الباطنية، والنصرية، والدروز، والنصارى، واليهود، والشيوعية الفاشية
(الجزء الثاني)
قال الشيخ عبد الحميد العربي الجزائري-حفظه الله-:
مصادر فكر حزب البعث: 1- مجموعة أحاديث وكلمات مرتجلة بدون إعداد مسبق يلقيها عفلق، أهمها ما كان قد ألقاه خلال السنوات الأولى لتأسيس الحزب على شباب "الطلائع الأولى للبعث" وهي التي حولها الحزب إلى كتب تحمل عناوين جذابة إضافة إلى اسم المؤلف مصدراً بلقب "القائد المؤسس".
2- مجموعة مقالات عفلق والبيطار الافتتاحية السياسية لجريدة الحزب في الفترة التي سبقت انقلاب حسني الزعيم عام 1949، وكانت تلك المقالات مكرسة لتوجيه النقد السياسي الساذج لمظاهر الحكم الوطني الذي أعقب جلاء الفرنسيين عام 1946.
3- منشورات الحزب ضد الحكومات السورية المتعاقبة بعد الجلاء، وكلها من إعداد عفلق، والبيطار ويساعدهما بعض شباب الحزب.
4- مجموعة مقالات مترجمة في الفلسفة والأدب والسياسة لبعض المفكرين الفرنسيين اليمينيين واليساريين.
5- بعض كتب حررها بعض كتاب الحزب الذين كانوا مرضياً عنهم من عفلق في تلك المرحلة، منها كتابات منيف الرزاز وعبد الله عبد الدايم.
ولذلك كانت قيادة الحزب تكثر من إحالة الأعضاء على تراث لا ترى بأساً به لسد ذلك الفراغ. وكان بعض الأعضاء يحاولون البحث عن زاد ثقافي بأنفسهم، فقد يقبل بعضهم على الدراسات الماركسية أو الدراسات التي تناولت قضايا العرب قبل الثورة العربية في (9 شعبان) وما بعدها. ولذلك كان من الصعب أن يقال: إن الحزب قدم لأعضائه ومناصريه دليل عمل فكري واضح أو غامض". ومع كثرة أحاديث البعثيين عن الثقافة لكن الحزب كان بدون ثقافة. والذين يسمون بـ "مثقفي الحزب" ليسوا أكثر من مجموعة من حملة الشهادات، (وللحزب طريقته الخاصة في تزويد بعض أعضائه بالشهادات والرتب). ومنذ أن ولد الحزب وحتى اليوم لم يستطع الحزب أن يقدم نفسه على أنه صاحب مدرسة فكرية، كما لم يستطع أن يقدم برنامجاً عقائدياً واضحاً. فالحزب في نظر عفلق مهمته أن يشق الدرب لا أن يعبده لسالكيه، فالمهم أن تعلن أهدافاً تحسن اختيارها وتنادي بها، وتحولها إلى شعارات يسهل على الجماهير حفظها وترديدها والمناداة بها مثل "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة" "الطليعة" "البعث" "الأصالة" "قدر الأمة" "الموضوعية" "المرحلة التاريخية" "اللحظة التاريخية" "الوحدة" "الحرية" "الاشتراكية" "المؤامرات الاستعمارية" "العوامل السلبية" "الثورة" "إجهاض الثورة" "العنف الثوري" "الطهر الثوري" العهر الثوري" وتأخذ خطابات وأحاديث عفلق وتلامذته توكيدات على كل ما يطرحه الحزب وكأنها أركان إيمانية متلازمة "فلا بد من الوحدة ولا بد من الحرية ولا بد من الاشتراكية" وكل هذه "اللابدات" غير قابلة للتعليل ولا للتحليل ولا للمناقشة ولا للتقديم ولا للتأخير، فالحديث عن هذه العلاقات محرم، وجيلنا لا يزال يتذكر اختلافات الحزب مع عبد الناصر على تقديم الحرية على الوحدة أو العكس في الشعارات المطروحة.
أما الإحالات فقد أبدع القائد المؤسس فيها، وحين نقرأ أدبيات الحزب وخاصة ما كتبه عفلق نجد أن في ذهن الرجل نموذجين مثاليين. النموذج الأول: هو صورة المجتمع الغربي "الفرنسي خاصة"، والنموذج الثاني هو: نموذج العربي الجاهلي ذي العرق النقي والخيال الخصب والشعر والفروسية. ولأنه لا يستطيع التصريح بهذا النموذج المركب العجيب الذي يجمع بين جاهلية العربي الجاهلي، والنموذج الفرنسي المتقدم بقدرة خيالية عجيبة فانه كان يفضل اختزال الأفكار إلى شعارات وعبارات خطابية يرفض البحث في معانيها. ولا يسمح لأحد بتحليلها أو مناقشتها حتى لو كان من قادة الحزب.
إنه يصر على ترديد كلمة "البعث العربي" تاركاً لكل أحد أن يفهم منها ما يشاء وما يريد، إذ يكفي عنده أن يردد كلمة كهذه تستدعي جملة كبيرة من الإيحاءات لا حصر لها تمتد فيما بين الدنيا والآخرة، ولكن ما الذي يريده القائد المؤسس؟ هل هو بعث الماضي العربي أو التاريخ العربي؟ وما الذي يراد له أن يبعث منه أهو الجاهلية – التي يصفها بالنقاء العرقي – أم الإسلام أم شيء آخر يؤلفه من بينهما؟ أم ماذا؟ هذا ما يطوي عفلق عليه جوانحه، لأنه في نظره أكبر من أن تحتمله العقول التي لا تحمل عبقرية مثل عبقريته.
وهكذا شأنه مع سائر الشعارات والمصطلحات التي تم طرحها: غموض وإبهام، مع طنين ورنين، واحتمالات لا تنتهي، وأما إصراره على عدم تحديدها فذلك لأن القائد المؤسس يدرك أن فهم الأطروحات والشعارات يقود إلى البحث عن أصولها وجذورها، ويحمل على المطالبة بالتدليل عليها، وقد يؤدي إلى رفضها، وطلب البدائل عنها. وفيلسوف الحزب لا وقت لديه لهذا الصداع فليطرح ما يشاء، وليخف وراء ذلك من المعاني ما يريد، ثم يستأثر – وحده – بتحديد المراد إذا شاء ووقت ما يشاء، لأن المعاني – كل المعاني – في بطن القائد المؤسس. ولا زال جيلنا يذكر أن الرئيس عبد الناصر بعد لقاءاته بعفلق في محادثات الوحدة خرج يقول للناس في خطبة معلنة "الأستاذ بتاعهم ما اقدرتش أفهم منه غير يعني يعني يعني، كل كلمة يقولها يردد بعدها يعني يعني يعني وبعدين ما تفهمش يعني أيه"!.
وقد كان عفلق حين تبنى دعوات عبد الناصر وأيد سياساته يستهدف ركوب الموجة لتحقيق وحدة مستعجلة، يمكن فكها في أقل من الوقت السريع الذي أبرمت فيه، كما أنه كان يظن أنه سيكون قادراً على التأثير في عبد الناصر بذات المستوى الذي أثر فيه على الضباط السوريين، وبذلك يجير عبد الناصر وشعبيته ومكانته، وما كان له من أمجاد في تلك المرحلة لصالح ذاته وحزبه. ولما رأى من عبد الناصر غير ما كان يتوهم سرعان ما نبه الخلايا النائمة للحزب الذي كان قد وافق على حله، نبه تلك الخلايا إلى خيبة أمله في عبد الناصر وضرورة النهوض بالحزب من جديد، والتخلي عن عبد الناصر. وإذا بعفلق يضحي بالوحدة وينضم ومن كان معه من عسكريين ومدنيين إلى خصوم لها، يتآمرون لفكها حتى حققوا الانفصال.
ذلك مفهوم هذا الحزب وبناؤه التاريخي، والمصادر الساذجة لفكره، أما فلسفته ومذهبيته إن جاز أن نطلق عليها فلسفة ومذهبية فتتلخص فيما يلي:
فلسفة "حزب البعث العربي الاشتراكي" ومذهبيته:
يقول ليونارد بايندر في: الثورة العقائدية في الشرق الأوسط، ترجمة: جبرى حماد، القاهرة: دار القيم، 1966: "يمثل عرض عفلق للفكرة القومية من منظوره البعثي خليطاً من الفلسفات الغربية الشائعة، فهو يأخذ من هيردر [هيردر مفكر وناقد ألماني، ولد في روسيا الشرقية سنة "1744-1803"، ومن دعاة حركة التجديد الفكري في ألمانيا]؛ مقولته: "إن لكل أمة رسالة خاصة بها، عليها أن تؤديها، وأن في وسع كل أمة أن تسهم عن طريق هذه الرسالة في تحقيق الانسجام العالمي"، ويضمَّن عفلق عرضه – أيضاً - تأكيد هيجل على التاريخ وعلى الوجود القومي فيه، لكنه يستعيض عن جدل هيجل المنطقي، بمفهوم "الحلقة التاريخية" في الصعود والهبوط. وتظهر في كتابات عفلق– أيضاً - نظرية ماركس في الصراع الطبقي، كما يضمنها تأكيداً كبيراً على الأساس الاقتصادي للسياسة، ولكنه يرفض "الحتمية" التي تبناها ماركس، كما يرفض "التفسير المادي" رفضاً كاملاً. وكانت الاشتراكية التي تبناها عفلق جزءاً من فكرته القومية البعثية. تماماً كما كانت صهيونية بورسوف جزءاً من اشتراكيته، وأخيراً نجد في كتاباته شيئاً من "المذهب الحيوي" الذي نادى به برجسون" [لويس برجسون فيلسوف فرنسي ولد في باريس من أصل يهودي سنة "1859- 1941"، كان والده موسيقياً، درس في كلية فرنسا للفلسفة وانتخب عضواً في المجمع العلمي الفرنسي 1914، وحصل على جائزة نوبل 1928.].
ويشرح بايندر كيف قام عفلق بانتقاء وتلفيق مركب مذهبيته من هؤلاء الأربعة: فيقول: "ومن المفيد إلقاء بعض الضوء على نظرية عفلق القومية البعثية ما دام بصياغته هذه يكاد يخلو من المعنى (على حد تعبير الكاتب)، وقد أخذ من هيجل مذهبه بعد تطويره. فالمذهب الجدلي عند هيجل فحواه: أن الحياة العقلية منفصلة تمام الانفصال عن التاريخ الواقعي، ولذلك استعاض عنه بمفهوم "الحلقة التاريخية في الصعود والهبوط" وهذا المفهوم يمثل رؤية عفلق للتاريخ العربي وتمثيله بحلقات يبلغ فيها أوج مجده ثم ما يلبث أن يتردى إلى الحضيض، والمعيار لديه في هذا الارتفاع والانخفاض، هو نقاء العنصر باعتباره المقياس الوحيد، ويلعب تفسيره هذا للتاريخ دوراً أساسياً في نظريته القوميّة البعثّية، ولذلك عارض التفسير المادي للتاريخ.
وبتلك التعبيرات والنظريات الملفقة المزيج عن "القومية العربية البعثية" استطاع عفلق أن يصوغ مذهبية الحزب بعد أن انتقى من تلك الأفكار انتقاءًا بحيث لواها كي تلتئم في نسيج واحد للتعبير عما أراده، فلقد لفق وطرح تصورات وحذف أخرى وحوّر وحرّف فيما حذف وفيما أخذ، نعم إنه فعل، ولكن في مثل هذا المجال، وهو مجال فلسفي هل يحق للفيلسوف أن يعرَّف الشيء أو الحدث كما يريد أو يتصور؟ جواب عفلق: نعم، ولذلك تبنى عفلق هذه الفكرة وهي:"أن الفكر يتصلب فيعند، ومن يعند ينتهي إلى أن يلوي الأشيـاء، وفقـاً لفكرته بدلاً من تنظيم فكره وفقـاً للأشيـاء"، ولذلك فإن القائد المؤسس قد لوى عنق الفكر القومي كله ثم الفكر الإسلامي كله ليقدم لمن يغتر بفكره من أنصاف المتعلمين تلك الخلطة العجيبة المتنافرة من الأفكار.
حتمية الانتماء إلى البعث:
تتلخص رؤية عفلق في النظرية القومية البعثية أن مرحلة الانحطاط التي عاشها العرب في عصر تأسيس الحزب ولا يزالون يعيشونها في الوقت الراهن جعلت كثيراً منهم لا يفهمون حقيقة أنفسهم ولا حقيقة قوميتهم ولا يدركون في الحقيقة هويتهم، فصاروا غير مدركين أنه ليس أمامهم مجال لاختيار أن يكونوا غير بعثيين، لأن القومية العربية البعثية موجودة فيهم من غير أن يكون للإنسان العربي دخل في تقبّله الإيجابي والاختياري لها، لأنها يعني "القومية العربية البعثية" شبيهة باسمه أو صورته، فهي جزء ثابت وفطري في ماهيته نابت فيه حتى قبل مولده، وكما أن من العبث أن يضيع الإنسان حياته في التألم، لأنه لم يولد في أسرة غير أسرته، أو يحمل صورة غير صورته، فإن من العبث أن يحاول تحرير نفسه مما يربطه بأمته أو يشده إليها، ويكرر القائد المؤسس هذا المعنى في أكثر من كتيب من كتاباته، انظر: في سبيل البعث، ص 10- 15.
رفض عفلق التحليل واعتماد الرؤية:
ومن هذه الرؤية يعتقد أن مسألة القوميّة البعثيّة لا تحتاج إلى تحليل مقوَّماتها أو عناصرها، فهي بديهيّة أوليّة لا تحتاج إلى برهان، فكأنها من البديهيات أو مسلمات ما قبل المنهج، وهو في هذا يأخذ عن برجسون قوله: "إن التحليل إنما هو تفكيك للأشياء إلى عناصر ثابتة، غير أنه تفكيك لن يفضي إلا إلى عالم مجرد أجوف". ويصف عفلق "التحليل" بأنه يعري الأمور من لحمها ودمها، ويقود إلى عدم الدقة، وإظهار المتناقضات بمظهر المتشابهات، وتحويل الحقائق إلى مجرد كلمات، فكلاهما هنا عفلق وبرجسون يرفضان الاستقراء والاستنباط ويعتمدان "الرؤية" لأن الرؤية- في نظرهما - تنفذ إلى الأشياء دون وسيط، وما هو أوّلى لا يحتاج إلى برهان، خلافاً لما هو نظري أو كسبي – عند عفلق – أما الأولى فهو نقطة البداية لأي برهان، وعندما يرفض عفلق "التحليل" فإنه من الجهة الأخرى يتمسك بـ "الأيديولوجية".
الحزب هو الأمة:
يقول عفلق: "الأمة ليست مجموعة عدديّة وإنما هي أيديولوجيّة تتجسدّ في تلك المجموعة أو جزء منها، انظر كتاب: في سبيل البعث ص: 49.
والجزء المقصود من المجموعة هو طلائع الأمة العربية أي "الحزب" الذي يقع على عاتقه عبء تعبئة الأمة وراء الفكرة القومية البعثية وقيادتها في أداء رسالتها الخالدة.
وهنا يصبح الحزب هو الأمة، ودور الأمة لا يعدو أن يكون في جعلها تنكبّ على متابعة فكر الحزب صماً وعمياناً في حالة تقليد ومتابعة لا تبالي إذا كانت تلك المتابعة تحدث للأمة قناعة بذلك الفكر أو لا تحدث.
ويعلق ليونارد على ذلك بقوله: "ليس من العسير أن يكون وراء هذا الرأي إيمان بالجماعية الصارمة ونزعة سلطوية ترغم الناس على الحرية!! أو تجبرهم على إدراك مصائرهم الصحيحة مهما كانت معتقداتهم الواعية، فالمشكلة في رأيه مثل كل شيء حملُ العربيّ على الإحساس بطبيعته الأصلية، فهو يفترض القبول على أساس الإيمان"، انظر العقائد في الشرق الأوسط.
إن عفلق وضع تصوراً جديداً للفكرة القومية البعثية ينسجم والمذهب القومي الخاص بالبعثيين الذي صاغه باقتباساته المشار إليها، والواقع أنه توخى بذلك نقطتين مهمتين في العقيدة البعثية هما:
- إعادة صياغة فكرة القومية العربية البعثية لتكون إطار مناسباً للمذهبية وخصوصياتها، ولفصل البعثيين عن بقية الفصائل القومية، فلا تنطبق عليها انتقادات المسألة القومية بعامة، فهي مختلفة عن القومية الغربية في شقيها الماركسي والتقليدي من ناحية، وغلق الباب أمام تحليل القوميين العرب الذين وصفهم عفلق بالرجعيين الذين يقحمون الدين عنصراً أو مقّوماً من مقومات هذه القومية.
- وأكد أن الطليعة هي وحدها التي تعي قوميَّتها في مرحلة الانحطاط، وتستوعب قيمها، وقد ألهمت الإيمان بدور قوميتها إلهاماً، فهي تتولى قيادة ثورة البعث، وثورة البعث هي إجراء البذل الفطري والخلقي.
البعثيون وتبديل القيم العربية:
ولقد أجاب عفلق على سؤال عن ماهية البعث وأهدافه فقال: "إن الهدف هو تبديل القيم الاجتماعية للعرب، لذا فإنه هدف بعيد المدى، إذ أن الثورة يجب أن تتناول طريقة الناس في التفكير" إضافة إلى الأفكار ذاتها.
الطلائع والقسوة والاستبداد:
لذلك فالطليعة من حقها أن تتحدث باسم المجموع، ولكي تقوم بدورها فإن على هذه الطلائع أن تحتفظ بحبها للجميع، وإذا قدر لها أن تقسو في معاملتها على الآخرين، فإنما تفعل ذلك رغبة منها في إعادتهم إلى أنفسهم، وعندما يقسو الآخرون عليها فإن هذا يعني أن هؤلاء ينكرون أنفسهم وينكرون ذاتهم، فإرادتهم الحقيقية مع هذه الطلائع وإن كانت خفية وكامنة، وإن ظهروا بمظهر الذين يعملون ضدها. إذن فإن هذه القسوة على الآخرين إنما هي من أجلهم فهي تحتفظ بحبها للجميع، وبذلك شرع عفلق للقسوة والاضطهاد واعتبر الطغيان مشروعاً للطلائع، لها الحق أن تمارسه على الأمة وفي مصلحتها، وذلك قد يفسر ظاهرة استخدام الفنانين والأدباء، شعراء وكتاباً، محامين وأطباء وطلبة، ومعظم مثقفي الحزب، للتنويه بالقسوة والاضطهاد والإشادة بهذا الحق، حق القسوة، بهدوء ولذة، ومن لم يستطع منهم الممارسة فليمتع نفسه بالفرجة على الضحايا. أما القسوة إذا صدرت عن غير الطلائع فهي وحشية وإرهاب حزبيّ يفعله قوم هم أعداء أنفسهم قبل أن يكونوا أعداء تلك الطلائع. وتلقى قضية الطلائع في عقيدة القائد المؤسس عفلق اهتماماً خاصاً، وخير ضمان لتقويتها - في نظره - هو الاحتفاظ بنقائها وصفائها وذلك برعايتها منذ عهد الطفولة وهي ما تزال بذوراً لم تلوثها البيئة الاجتماعية؛ خاصةً وأن الهدف البعيد الذي يتوخاه الحزب هو تبديل قيم العرب الاجتماعية وتغيير طريقتهم في التفكير، وإبدال أفكارهم بغيرها، بحيث تنتهي بإحلال أفكار الحزب محلها، ولذلك فإن التوجيه العقائدي ينبغي أن يتركز في الطفولة المبكرة ليؤدي ثماره.
إنالحب هذا الذي يتحدث عنه القائد المؤسس هو حب القتل والإبادة والمقابر الجماعية، فهو يحض الطلائع على القسوة ولكن بدافع الحب. ترى لو حلل أطباء نفسيون نفسية القائدة المؤسس ماذا يجدون فيها؟ ولكن لا داعي للتحليل (فهو مرفوض عند عفلق) والعراق والتدمير والتنكيل الذي لحق به شاهد على أمراضه وعاهات اتباعه، وما حدث في حماة، وما يحدث في الوقت الراهن من قتل للأبرياء ففي منظور حزب البعث ناجم عن حب لا غير؟؟.
قيم حزب البعث والجاهلية:
ولكن ما هي القيم الجديدة التي عمل عفلق وطليعته على تجسيدها في العراق وسوريا الذين ابتليا بحكمهم؟ وما هي طريقة التفكير القومية البعثية الجديدة التي حاول "حزب البعث العربي الاشتراكي" إرساء دعائمها في العراق المنكوب وسوريا الجريحة؟
يتحدث مطاع صفدي في مؤلفه "حزب البعث" عن آراء عفلق: بأنها "تنصب على الوصف والمبالغة، وصف عظمة الأمة العربية، ورفعها إلى مستوى الوجود الخارق، وإضفاء مختلف القدرات الفردية والخطابية عليها، وتنزيهها عن أية مفسدة أو نقيصة، وقد مهد عفلق أذهان أتباعه للاعتزاز بمرحلة "الجاهلية" من تاريخ العرب خاصة، واعتبار هذه الجاهلية بمثابة الأصالة الكاملة للوجود العربي، والقائد المؤسس يبدو تلميذاً فاشلاً وهو يحاول إسقاط فكرة "العصبية" الخلدونية ويعبر عنها بأفكاره. وبالمقابل حاول فكر عفلق إضعاف المرحلة الإسلامية، ولو بطريقة غير مباشرة واعتبارها مرحلة تساهل أدت إلى خلط العرب بغيرهم وإضعاف بعض خصائصهم إلى حد كبير" ، ولذلك أعاد تفسير الإسلام، وفسره كما فسر القومية العربية تفسيراً بعثياً يتناسب وذلك التوجه.
فلم يكن لدى البعثي ما يتعارض مع انتمائه الإسلامي حسب ذلك التفسير حتى لو رفض الإسلام شريعة وعقيدة وتبنى الماركسية اللينينية بديلاً عنه، وتأمل قول شاعرهم:
آمنت بالبعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني
أو ما قاله شاعر بعثي آخر لصدام حسين:
تبارك وجهك القدسي فينا كوجه الله ينضح بالجلال
ويقول القائد المؤسس:"إن تأثر الشباب بالأدب والحماسة الشعرية والأساليب الخطابية المباشرة أقوى من تأثره بالدراسة الجادة"، فانطلق المثقفون الثوريون من الصفر في تاريخ أمتهم، ومازال تاريخ العرب مجهولاً حتى اليوم عند هؤلاء المثقفين البعثيين.
الحزب والثقافة الغربية:
لقد نقل عفلق تقليد الإعجاب بالثقافة الغربية إلى البعثيين، وأصبح الإقبال على قراءة "اندريه جيد" و"برجسون" أساساً عقائدياً، ويلاحظ أن الكاتب "مطاع صفدي" رغم أنه كان من قيادات الحزب لم يستطع فهم هذه النزعة وتفسير دوافعها، فهو يقول: "إن عفلق ينادي بالبساطة وبذلك يمنع التعمق، وينادي بالإيمان فيمنع التحليل والمقارنة، ولذلك صار الثوريون يأنفون من طرح الأسئلة حتى على أنفسهم، لأن ذلك – في نظر عفلق - يوحي بالتشكيك"،
ولكن لو عدنا لفلسفة عفلق في "التاريخ وتفسيره للتاريخ العربي" وتناولنا مقولته: في أن التاريخ يتألف من حلقات تتراوح بين الصعود والهبوط لأدركنا على الفور أن تمجيده الحماسة والشعر والخطابة في الأدب لأنها كانت فعلاً بعض مميزات "الجاهلية" عهد ما قبل الإسلام، وأن إشاعته الثقافة الفرنسية، ودراسته فلسفة برجسون، لأن عفلق أخذ منه صياغة مذهبه في عدم الاعتراف بالتحليل. وبذلك يحقق عفلق عدة أهداف:
أولها: إحداث قطيعة بين الشباب العربي والإسلام والتراث الإسلامي، وتعويضهم عنه بالتراث الجاهلي، ثم العبور بهم من الجاهلية إلى ما انتقاه من فلسفة برجسون وهيغل وهردر وماركس. فالإسلام ملوم – في نظر عفلق – لأنه فتح الباب لخلط العرب بسواهم "ألم يكتب طلفاح "خال صدام حسين والقيم على تربيته" كتاباً يلوم فيه الخالق تبارك وتعالى لأنه خلق الفرس والأكراد والذباب". وأنه- سبحانه وتعالى - عمّا قال خال صدام علواً كبيراً كان مخطئاً في ذلك.
ويرى عفلق أن مرحلة العهد الجاهلي قد شهدت اتحاد العرب ووحدتهم الحقيقية في مجموعات عرقيّة متجانسة عبرت عن نفسها على الصعيد الثقافيّ في الشعر واللغة والخطابة، وتحقق المثال العربي الأصيل لفترة قصيرة في صدر الإسلام (وهي فترة بني أمية في نظره) ولكن لما انتشر الإسلام بين الشعوب غير العربية اختفت الفروق بين الأجناس، وفقد العرب إحساسهم بالوحدة القومية، وتبع ذلك مرحلة الضعف، وشرع العرب في إضاعة وحدتهم القومية. يعلق ليونارد على هذه الرؤية الجديدة في التاريخ العربي قائلاً:
"إن القومية – كما يفهمها عفلق - هي الأساس وإن عفلق يرى أن الدين هو الذي كان يقرر طبيعة الأمة العربية في وقت من الأوقات، ولكن هذا الاتجاه "المرجعية الدينية" أدى إلى كثير من المتاعب، فمن الواجب تطور الدين مع العروبة، فكلاهما – على حد تعبير عفلق - ينبعان من القلب العربي ويسيران طبقاً لمشيئة الله، لا سيما وأن الدين عبقرية الفكرة القومية البعثية، وفي هذا إنكار للوحي وللغيب وتكريس للرؤية الماركسية في وضعية الدين وبشريته، وتفسير "الوحي" بأنه انعكاس للمؤثرات المادية على دماغ ذلك الإنسان الذي يدعي بعد ذلك النبوة أو الرسالة بناءً على ذلك. فالدين – كما يفسره - ليس إلهي المصدر ولا وحي ولا نبوة ولا غيب في عقيدته البعثية، يمكن أن ينساب مع طبيعتها". انظر كتاب الثورة العقائدية [ص: 353-357.]
ويقول عفلق في كتابه "في سبيل البعث": "يجب أن لا تنغلق القومية أو الدين ضمن إطارات من التحديد الضيّق، كما حاول علماء الكلام أن يفعلوا في العصور السابقة، لا سيما وأن القومية العربية ترفض بعث الأمور التي لم يعد لها جدوى من أمور الماضي".
فهو كما تصرف في مفهوم "القومية" تصرف في مفهوم "الدين" ولعل القائد المؤسس بناءً على ذلك اختار أن يكنى "أبا محمد" فهو مسلم بمقتضى التفسير البعثي للإسلام.
البعث والشريعة الإسلامية:
إن حزب البعث يعارض آراء التقليدين والأصوليين معاً!! ولا يولي أهمية للشريعة الإسلامية في نظامه، ويرى أن تفسير الإسلام "أي من قبل العفلق" هو التفسير الصحيح، وأن نظرته إليه ترفض شيئاً اسمه "العقيدة أو الشريعة الإسلامية" كما يتجاهل النظم الإسلامية الأساسية كافةً، وكل ما بني عليها، والآراء المتعلقة بها، ويرى أن الإسلام ليس العامل الوحيد في تكوين أخلاق العرب الفردية، بل هو عامل من العوامل ذات الأثر السلبي– كما تقدم - وعموماً فإن عفلق لا يأخذ من الإسلام أية فرائض أو نظماً أو سنناً اجتماعية، ويرجع سائر المزايا التاريخية في المحيط العربي إلى القومية حسب تفسيره لها وفي المحيط الإسلامي إلى تأثير العرب، بحيث لا تنتفي صفة العروبة عن غير المسلمين ولا يستطيع المسلمون الآخرون من غير العرب أن يدعوا لأنفسهم أية ميزة تجعلهم في مستوى العرب، فإن هم فعلوا، كانوا خونة لقيمهم الإسلامية.
أما بالنسبة لرسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – فقد كتب القائد المؤسس كتيباً في ذكرى المولد مرة عنونه "ذكرى الرسول العربي" وفيه نزع عن رسول الله صفتي النبوة والرسالة، واعتبره زعيماً قومياً، وكان عهده تجسيداً لأمال العرب، وعلى كل عربي أن يجسد محمداً، وقد لخص عفلق رؤيته في النبوة والرسالة بذلك الشعار الذي لا يزال البعثيون يرفعونه باعتزاز "كان محمد كل العرب، فليكن اليوم كل العرب محمداً"!.
يتبين لنا من هذا العرض الوجيز أن مفهوم الأيديولوجية للبعث العربي الاشتراكي إنما هو مسألة قومية وأن هذه القومية – بمفهومها البعثي - هي العرق العربي ونقاؤه ثم تخدم بقية عناصر المذهب البعثي هذا الغرض، ولكن نقاء العرق مسألة نسبية وظاهرية، وذلك يعني عدم إمكانية التحقق العلمي من صدق نقاء عرق ما خاصة في بلد مثل العراق وسوريا.]انتهى
خلاصة ما يمكن مما سبق:
ـ إن كلمة الدين لم ترد مطلقاً في صلب الدستور السوري أو العراقي.
ـ كلمة الإيمان بالله على عموميتها لم ترد في صلب الدستور، لا في تفصيلاته ولا في عمومياته، مما يؤكد على الاتجاه العلماني لديه.
ـ في بناء الأسرة لا يشيرون إلى تحريم الزنى ولا يشيرون إلى آثاره السلبية.
ـ في السياسة الخارجية لا يشيرون إلى أية صلة مع العالم الإسلامي.
ـ لا يشيرون إلى التاريخ الإسلامي الذي أكسب الأمة العربية مكانة وقدراً بين الشعوب.
ـ رغم مطالبة الحزب بإتاحة أكبر قدر من الحرية للمواطنين، فإن ممارساته القمعية فاقت كل تصور وانتهكت كل الحرمات ووأدت كل الحريات وألجأت كثيرين إلى الهجرة والفرار بعقيدتهم من الظلم والاضطهاد.
ـ القوانين في البلاد التي يحكمها البعث علمانية وحانات بيع الخمور مفتوحة ليل نهار، والنظام المالي ربوي ودعاة الإسلام مضطهدون بشكل سافر.
ـ يعتمد الحزب على الفكر القومي الذي ظهر وبرز بعد سقوط الدولة العثمانية في العالم العربي والذي نادت به أوروبا، والذي نادى به منظَّر القومية العربية في العالم العربي آنذاك ساطع الحصري.
ـ يعتمد الحزب على الفكر العلماني إذ ينحي مسألة العقيدة الدينية جانباً ولا يقيم لها أي وزن سواء على صعيد الفكر الحزبي أو على صعيد الانتساب إلى الحزب أو على صعيد التطبيق العملي.
ـ يستلهم الحزب تصوراته من الفكر الاشتراكي ويترسم طريق الماركسية رغم انهيارها، والخلاف الوحيد بينهما أن اتجاهات الماركسية أممية، أما البعث فقومي، وفيما عدا ذلك فإن الأفكار الماركسية تمثل العمود الفقري في فكر الحزب ومعتقده، وهي لا تزال كذلك رغم انهيار البنيان الماركسي فيما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي.
ـ لقد كان الحزب واجهة انضوت تحته كل الاتجاهات الطائفية (درزية ـ نصيرية ـ إسماعيلية ـ مسيحية) وأخذ هؤلاء يتحركون من خلاله بدوافع باطينة يطرحونها ويطبقونها تحت شعار الثورة والوحدة والحرية والاشتراكية والتقدمية وقد كانت الطائفة النصيرية أقدر هذا الطوائف على استغلال الحزب لتحقيق أهدافها وترسيخ وجودها
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجميعن.
انتقاه: أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري الأثري.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق